مواقع وتطبيقات «مخلة بالآداب» وشباب بين مطرقة الابتزاز وسندان الفضيحة !

تحقيق: سهيل بن ناصر النهدي -في ظل فضاء إلكتروني وعالم افتراضي واسع لا يعرف حدودا، وبين غياب الوعي أحيانا والرقابة الأبوية أحيانا أخرى، ونزوات البالغين خلف حب التجربة، يتسلل مجرمو الشبكات والمواقع الإلكترونية والساعون إلى نشر الرذيلة وسوء الأخلاق بين المجتمعات، عبر تطبيقات ومواقع - مخلة بالآداب- تتخذ أشكالا متعددة، لا تفرق بين كبير وصغير حتى الأطفال واليافعين لم يسلموا منها مستغلين الألعاب الإلكترونية لغزو عقولهم وتدمير أخلاقهم السوية والفطرة الطفولية وترغيبهم في جوانب -لا أخلاقية- وخارجة عن أسس المجتمعات السليمة.
كما تستغل هذه الشبكات والمواقع والتطبيقات الشباب من أعمار مختلفة عبر طرق متعددة حسب جنس الشخص وميوله، متخذة عدة أشكال وصور مزيفة توحي للذكر بأن فتاة جميلة تقبع خلف ذاك الحساب أو الموقع، بينما يقعن فتيات في حيل شبيهة متعددة الأشكال، إضافة إلى تطبيقات للمواعدة.
ومن تدمير عقول وأفكار الصغار، إلى مواقع وتطبيقات تجر ضحاياها من الشباب إلى الفخ، بعلاقات -غير أخلاقية- ووهمية وبصور مغرية وعبارات معسولة.. للوصول إلى الهدف والوقوع في الفخ ثم الدخول في ظلمة دهاليز الابتزاز، حيث يعيش شباب وسط المجتمع ومن الجنسين بين مطرقة «الابتزاز» وسندان الفضيحة.
(عمان) تسلط الضوء على خطورة بعض المواقع الإلكترونية والتطبيقات وألعاب الأطفال، «المخلة بالآداب» لتقترب من الواقع وتنقل مخاطر هذا الفضاء الإلكتروني الواسع على الفرد والأسرة والمجتمع، من خلال مختصين بالجرائم الإلكترونية واستشاريين بالصحة النفسية ومهتمين بشؤون الأسرة، ومحاولة نقل آرائهم حول ضرورة الحذر من هذه المواقع والتطبيقات ومتابعة الأسرة لأطفالها، ورفع مستوى الوعي لدى الكبار.
آلاف المواقع
في البداية أكدت هيئة تنظيم الاتصالات لـ(عمان) على أنها حجبت مئات الآلاف من المواقع التي تخالف الأنظمة المعمول بها في السلطنة أو تلك التي تصدر أوامر قضائية بحقها بشكل آلي خلال السنوات القليلة الماضية.
وأوضحت أنه مع التوسع الكبير الذي شهدته شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية؛ تسعى الهيئة بشكل دائم إلى الحد من انتشار المواقع المخلة بالآداب على شبكة الإنترنت من خلال وضع ضوابط وإجراءات للحد من الاستخدامات المخالفة.
ودعت الهيئة إلى التفاعل الهادف لمستخدمي الإنترنت في السلطنة، كما تشجع المنتفعين على الإبلاغ عن المواقع المخالفة، من خلال التواصل مع الهيئة عبر مركز الاتصالات أثناء ساعات العمل الرسمية أو البريد الإلكتروني ومعربة عن شكرها لكل من ساهم في الإبلاغ عن هذه المواقع المخالفة».
تحذيرات مستمرة
وكانت شرطة عمان السلطانية ممثلة بالإدارة العامة للتحريات والتحقيقات الجنائية قد أكدت في وقت سابق على أنها تعاملت مؤخرًا مع وقائع جرمية احتيالية عبر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي صاحبتها الثقة المفرطة والرغبة في الكسب المالي السريع من قبل الضحايا المستخدمين لتلك التطبيقات، وقد تمثّل أحد الأساليب الجرمية في قيام الجناة بتقديم خدمات وإغراءات تحمل في طياتها إيحاءات وأساليب شائقة لجذب الضحايا ثم الاستيلاء على أموالهم، ورُصدت في الآونة الأخيرة حالات عن قيام بعض المحتالين باستخدام تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي لارتكاب بعض جرائم الابتزاز والتي في الغالب ترتكب من قبل جناة من خارج السلطنة، حيث يستغل هؤلاء المحتالون بعض الأشخاص بناء على علاقة تنشأ بينهم سواء كانت عاطفية أو مادية أو غيرها من الثغرات الأمر الذي يجعل هؤلاء الأشخاص يسمحون لهم بالاطلاع على معلوماتهم وصورهم الخاصة بعد أن أصبحوا يثقون بهم.
العار والفضيحة
وللحديث عن الجوانب النفسية وحالات الابتزاز التي يتعرض لها الكبار والبالغون قال الدكتور حمد بن ناصر السناوي استشاري أول بقسم الطب السلوكي بمستشفى جامعة السلطان قابوس: ترد إلينا بعض الحالات لكن عادة ما يكون عددها قليلا مقارنة بعدد الأشخاص الذين تعرضوا للابتزاز الإلكتروني فغالبية الأفراد يشعرون بالحرج من استشارة الطبيب أو يبالغ في تأنيب نفسه كونه تعرض للخداع من الآخرين، وعادة ما يعاني الأفراد من مختلف الأعراض النفسية مثل القلق والتوتر والاكتئاب واضطرابات النوم خاصة عندما يصاحب الابتزاز احتمال أن يجلب لهم العار والفضيحة. وبين السناوي أن المبتز عادة ما يهدف إلى إلحاق الأذى بالضحية عن طريق التهديد بفضحها أو نشر صور ومعلومات شخصية عنها على مواقع التواصل الاجتماعي إذا لم ترضخ الضحية لطلبات الجاني والتي قد تتضمن الدخول في علاقة محرمة معه أو دفع مبلغ من المال مقابل أن يمتنع الجاني عن نشر تلك الصور والمعلومات، هذا التهديد يحدث صراعات داخلية لدى الضحية التي تخشى المساس بحياتها الخاصة، هذه الصراعات تؤثر سلبا على الاستقرار النفسي مما يؤثر على أدائها الدراسي والوظيفي خاصة عندما تستغرق الضحية في التفكير في عواقب عدم الاستسلام لطلب الجاني. وأكد الاستشاري أول بقسم الطب السلوكي بمستشفى جامعة السلطان قابوس على ضرورة الحذر عند التعامل مع الآخرين في مواقع التواصل الاجتماعي تجنب تبادل الصور الخاصة مع الآخرين فمعظم المبتزين يظهرون في البداية على هيئة صديق يتواصل معك بكثرة حتى يتمكن من كسب ثقتك ومن بعد ذلك يظهر وجهه الحقيقي، أما أولياء الأمور فلهم دور كبير في نشر الوعى لدى الشباب وتذكيرهم بأخلاقيات التعامل مع الآخرين في مواقع التواصل الاجتماعي.
أضرار نفسية
الأطفال والمراهقون عرضة لجرائم الإنترنت والمواقع الإلكترونية وتتسبب لهم بالكثير من الآثار النفسية، حيث تحدث الدكتور حسن ميرزا استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين بقسم الطب السلوكي بمستشفى جامعة السلطان قابوس عما يتعرض له الأطفال والمراهقون وخطورة بعض المواقع الإلكترونية عليهم وقال: في العالم الرقمي المتنامي باستمرار، يعد الوصول إلى الإنترنت أمرًا بالغ الأهمية للأشخاص من جميع الفئات العمرية، مشيرا على سبيل المثال إلى جائحة كورونا التي أثرت على جميع جوانب الحياة، حيث تسببت في إكمال التعليم عبر الإنترنت خلال الفترة الماضية، مما أدى إلى استخدام الأطفال والطلاب للإنترنت بشكل أكبر وزيادة وقتهم اليومي أمام الشاشات، مما جعلهم أكثر عرضة لمحتوى غير لائق عبر الإنترنت، الأمر الذي يعرض صحتهم العقلية للخطر. وأوضح استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين أن التعرض لمحتوى غير لائق قد يتسبب في حدوث كوابيس، بالإضافة إلى إصابة الأطفال بالقلق والاكتئاب والتغيرات السلوكية، مشيرا إلى أن لهذه الاضطرابات النفسية عواقب فورية وطويلة المدى إذا لم يتم اكتشافها وعلاجها مبكرًا، وقد يصاب الأطفال الذين يعانون من صعوبات نفسية بمجموعة واسعة من المشكلات، مثل العزلة الاجتماعية، واضطرابات الأكل والنوم، وإيذاء الذات أو السلوك الانتحاري، وإساءة استخدام المواد المخدرة، وفي بعض الحالات إلى اضطراب ذهاني. وبين ضرورة تثقيف الأطفال حول الاستخدام الآمن للإنترنت قبل منحهم للأجهزة، وتوعيتهم حول عدد من الجوانب وهي عدم إعطاء أي معلومات شخصية مثل الاسم وعنوان المنزل ورقم الهاتف والمدرسة وضرورة إبلاغ أحد الوالدين أو المعلم أو أي شخص بالغ يثق فيه الطفل إذا تمت مشاهدة أي محتوى غير لائق وكيف تم العثور عليه.
ومن خلال تجارب واقعية أكد الدكتور حسن ميرزا استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين بقسم الطب السلوكي بمستشفى جامعة السلطان قابوس على أنه واجه العديد من الحالات التي تعرض فيها الأطفال لمحتوى غير لائق من قبل مجموعة من البالغين يتظاهرون بأنهم أطفال وفي النهاية حصلوا على إمكانية الوصول إلى المعلومات الشخصية للأطفال أو صورهم أو مقاطع الفيديو، حيث نتج عن ذلك تجارب صادمة لجميع أفراد الأسرة نتج عنها تأثير نفسي سلبي.
موضحا أن مثل هذه الحالات، يحتاج الطفل والوالدان فيها إلى دعم واستشارة نفسية للتخفيف من آثار الصدمة وسوء المعاملة التي تعرضوا لها، مؤكدا على أن بعض الحالات الشديدة، قد يصاب المراهقون فيها بالاكتئاب الشديد وسلوك إيذاء النفس بسبب الإساءة والمضايقات عبر الإنترنت، مشيرا إلى أن العديد من الأطفال ينتابهم الخوف من إخبار والديهم أو معلميهم بهذا الأمر خوفًا من الانتقام أو الابتزاز. وفي ختام حديثه دعا إلى عدم التردد في طلب المساعدة النفسية عند الحاجة دون تأخير إذا لاحظ أي شخص أي أعراض نفسية، على الأطفال أو المراهقين.
التعري والابتزاز
وحول رأي المختصين في هذا الجانب قال حسن بن علي بن صالح العجمي متخصص في الجريمة الإلكترونية: لا يمكن توقيف هذا النوع من التطبيقات أو المواقع فالتكنولوجيا لها الكثير من الجوانب التي لا يمكن التحكم بها بالشكل الكامل، لكن يبقى الوعي المجتمعي ورعاية النشء هو الجانب المهم الذي يجب التركيز عليه ليكون صمام الأمان لحماية الأطفال من تشويه أفكارهم وعقولهم وأخلاقياتهم. وأشار العجمي إلى أن هناك الكثير من المواقع والتطبيقات - المخلة بالآداب - تنتشر بين حين وآخر، معربا عن أسفه لوقوع شباب بمقتبل العمر في كمين الابتزاز، مؤكدا على أن مئات الحالات تتعرض سنويا للابتزاز ومن الجنسين، موضحا أن من حالتين إلى 3 حالات تطلب يوميا المشورة في كيفية التخلص والتعامل مع الابتزاز. وأضاف العجمي قائلا: 95% من حالات الابتزاز عبارة عن التعري أمام الكاميرا بمقاطع ـ مخلة بالآداب ـ فيقوم المبتز بالتهديد والابتزاز بنشر المقطع الخاص بالضحية، فيقع الشباب في هذا الفخ وتبدأ المعاناة في أوساط الشباب.
وأكد الخبير في الجرائم الإلكترونية على أن الأسرة هي الأساس في المحافظة على الأبناء من خلال مراقبة الأطفال عند استخدامهم للأجهزة الإلكترونية والهواتف، وتكريس مفهوم الرقابة الذاتية.
كما بين أهمية وعي المجتمع والكبار بمخاطر بعض المواقع والتطبيقات الإلكترونية، وضرورة الحذر قبل الوقوع في عمليات الابتزاز التي تتزايد بشكل مستمر.
وأوضح حسن العجمي أن هناك عدة أسباب تؤدي إلى وقوع الكثيرين للابتزاز منها البعد عن الوازع الديني وإهمال بعض الأسر لمراقبة أطفالهم وعدم تنشئة الأطفال على المبادئ الدينية والإنسانية، مؤكدا على أن كل هذه الجوانب مهمة جدا لتقويم الإنسان في حياته اليومية وتحميه من الوقوع في مثل هذه العمليات التي قد تدمر مستقبله وتؤثر على حياته.
مسؤولية مشتركة
من جانبها قالت ميمونة بنت موسى الوهيبية مدربة في التنمية البشرية والتحفيز: حماية المجتمع والشباب والأطفال على وجه الخصوص من التطبيقات الإلكترونية ـ المخلة بالآداب ـ والمشبوهة تتطلب تكاتف الجهات الحكومية المعنية وجمعيات المجتمع المدني والأسرة، فمسؤولية حماية مبادئ المجتمع العماني الأخلاقية والحفاظ عليها بحاجة إلى منظومة متكاملة تتضافر فيها جميع الجهود لتحمي المجتمع وتبعده عن الوقوع في براثن المواقع الإلكترونية أو التطبيقات المروجة لـ «الممارسات غير الأخلاقية». وتحدثت ميمونة الوهيبية عن دور الأسرة في هذا الجانب وقالت: دور الأسرة لا يقل أهمية عن كل الأدوار الرسمية والمجتمعية، حيث يأتي دور الأسرة ليكون أحد أهم الأسس التي تبني الإنسان وتنشئه تنشئة سليمة للوصول إلى مجتمع سليم محافظ على مبادئه وأخلاقه السوية.
ودعت الوهيبية إلى مراقبة هواتف الأطفال والأجهزة الإلكترونية الذكية التي يستخدمونها وقالت: أنا مع إعطاء الأطفال والصغار الأجهزة الإلكترونية وذلك لمسايرة هذا الطفل للتقدم التكنولوجي الحاصل على مستوى العالم، وتنمية مهاراته المعرفية وبينت أن التقنية فيها برامج تعليمية وألعاب مفيدة تنمي مواهب الأطفال والصغار في هذا الجانب، لكن على الأهل متابعة أجهزة أبنائهم وتفتيشها بشكل مستمر وحجب أي موقع مشبوه قد يلج إليه الطفل أو الشاب، مشيرة إلى أهمية تغليب لغة الحوار والتفاهم عند اكتشاف تواصل من نوع ـ مشبوه ـ أو تنزيل بعض المواقع أو التطبيقات المخلة بالآداب، والحوار مع الابن أو الابنة بشكل ودي وإفهامهم بأسلوب حضاري عن خطورة هذه المواقع والتطبيقات وأثرها السلبي مع إعطاء أمثلة واقعية على عواقبها الوخيمة، إلى أن تنغرس في نفس الابن والابنة و -عن قناعة- راسخة بخطورة هذه المواقع ثم التخلي عنها ليس خوفا بل بقناعة تامة وراسخة لا يمكن لها أن تتغير مع مرور الأيام.
وأشارت الوهيبية إلى الأضرار الجسيمة بعيدة المدى التي قد تقع على المجتمع من خلال الانجرار خلف هذه المواقع والتطبيقات ـ المخلة بالآداب ـ وبينت أنه وإضافة إلى التأثيرات الأخلاقية على المجتمع وتركيبته الإنسانية الطبيعية السوية، وعلى جوانب صحية ومادية بعيدة المدى تؤثر على المنظومة المؤسسية للدولة مما قد ينتج عن الممارسات -لا أخلافية- وبالتالي فان هذه الانجرار والوقوع في قاع هذه المواقع المشبوهة له تداعيات كبيرة على المجتمع بكل مؤسساته وأفراده الانتباه إليها وإيجاد الحلول الجذرية التي تحمي المجتمع من هذه الخطورة.
وفي ختام حديثها توجهت ميمونة بنت موسى الوهيبية المدربة في التنمية البشرية بالنصيحة للشباب وكل شرائح المجتمع بضرورة الانتباه لخطورة التطبيقات الإلكترونية وبعض المواقع -المشبوهة- معربة عن أملها في انتشار ثقافة الحذر بين المجتمع وتنمية الفكر لاستخدام التقنيات والتطور الإلكتروني بالشكل الصحيح الذي ينمي الإنسان ويوسع مداركه ويعود عليه بالخير والنفع للنفس والبلاد....
( عُمان اليوم )

تاريخ النشر: 
2021.09.20